سيد جمال الدين الحسيني الأفغاني ( اعداد سيد هادي خسرو شاهى )

259

خاطرات جمال الدين الحسيني الأفغاني ( آراء وأفكار )

الهمم بعد موتها وما ماتت إلا بعد أن سكنت زمانا طويلا إلى ما ليس من معاليها . هل من السهل رد التائه إلى الصرط المستقيم وهو يعتقد أن الخلاص في سلوك سواه ، خصوصا بعد ما استدبر المقصد كيف يمكن تنبيه المستغرق في منامه ، المبتهج بأحلامه وفي أذنه وقر وفي ملامسه خدر . هل من صيحة تقرع قلوب الإلحاد المتفرقة ، من أمة عظيمة تتباعد أنحاؤها وتتناءى أطرافها وتتباين عاداتها وطبائعها وتتخالف آراؤها وقد تراكم فوقها الجهل وخيل للعقول أن كل قريب بعيد وكل سهل وعر ! وعزة الحق إنه لشيء عسير يعيي في علاجه النطاسي ويحار فيه الحكيم البصير ! هل يمكن تعيين الدواء إلا بعد الوقوف على الداء وأسبابه الأولى والعوارض التي طرأت عليه . إن كان المرض في أمة فكيف يمكن الوصول إلى علله وأسبابه إلا بعد معرفة عمرها وما اعتراها فيه من تنقل الأحوال وتنوع الأطوار أيمكن لطبيب يعالج شخصا بعينه أن يختار له نوعا من العلاج قبل أن يعرف ما عرض له من قبل في حياته ، ليكون على بينة من حقيقة المرض ، وإلا فإن كثيرا من الأمراض تتولد جراثيمها في طور من أطوار العمر ثم لا تظهر إلا في طور آخر لتغلب قوة الطبيعة على مادة المرض فلا يبدو أثرها ، إنه ليصعب على الطبيب الماهر تشخيص علة لشخص واحد سنون عمره محدودة وعوارض حياته محصورة فكيف بمن يريد مداواة ملة طويلة الأجل وافرة العدد ؟ ! لهذا يندر في أجيال وجود بعض رجال يقومون بإحياء أمة أو إرجاع شرفها ومجدها إليها وإن كان المتشبهون بهم كثيرين وكما أن المتطبب القاصر في الأمراض البدنية لا يزيد علاجه المرض إلا شدة ، لولا مساعدة الصدفة والاتفاق أحيانا ، بل ربما يفضي بالمريض إلى الموت ، كذلك يكون حال الذين يقومون بتعديل أخلاق الأمم على غير خبرة تامة بشأنها وموجب اعتلاها ووجوه العلة فيها وأنواعها وما يكتنف ذلك من العادات وما يوجد في أفرادها من المذاهب والاعتقادات وحوادثها المتتابعة على اختلاف مواقعها من الأرض ومكانتها الأولى من الرفعة ودرجتها الحالية من الضعة وتدرجها فيما بين المنزلتين فإن أخطأ طالب إصلاحها في اكتناه شئ مما ذكرنا تحول داء والوجود فناء . فمن له حظ من الكمال الإنساني ولم يطمس من قلبه موضع الإلهام الإلهي ، لا يجترأ على القيام بما يسمونه « تربية الأمم » وإصلاح ما فسد منها وهو لا يحس من